في مداخلة للدكتور Amr Eleraqi خلال حضوره نقاشًا عن الذكاء الاصطناعي التوليدي بمكتبة تورنتو العامة، وفي ما يخص مخاوف الكنديين منه قال: “في سياقٍ اعتدنا فيه الجدل الدائم حول الدين والأرض والسياسة، تنصبّ مخاوفنا على الثقة والدقة والانحياز. بينما ينشغل الغربيون بأسئلة مختلفة تمامًا: تأثير سباق التكنولوجيا ومراكز البيانات على المناخ، استهلاك المياه، وارتفاع درجات الحرارة عالميًا. اختلافٌ لا يعكس تباين الأولويات فحسب، بل يكشف أيضًا عن فجوة عميقة في السياق، ونوعية المخاطر التي يراها كل طرف أقرب إليه”.
وفي رأيي فإن الفارق بين مخاوفنا ومخاوفهم طبيعي، لاختلاف الاستخدام، ففي الشرق الأغلبية ترى الذكاء الاصطناعي فرصة للتخفف من بذل الجهد وإيجاد “عبد” إلكتروني يقوم عنا بمهامنا، وليس مساعدًا يحسن التعلم والإنتاجية ويمنحنا فرصة للتفرغ لمهام إبداعية أعمق، ولعل لهذا علاقة أيضًا بمناهج الدراسة لدينا وغرض المنظومة الذي أصبح متمحورًا حول “الحصول على شهادة” بصرف النظر عن جدواها وأثرها في سوق العمل.
وسيلة للراحة والتربح السريع
التقنيات لدينا وسيلة للراحة والتربح السريع والتفرغ لمزيد من تضييع الوقت لا لتعظيم ملكات الإنسان ورفع سقف الفهم والإبداع وإحداث الأثر البناء. نحن لا نقترب من الذكاء الاصطناعي بوصفه رافعة، بل بوصفه عكازًا، ولا نسأله “كيف أجيد؟” بل “كيف أختصر؟” (في أغلب التدريبات التي أقدمها يسألني المتدربون كيف نخفي آثار استخدامنا للذكاء الاصطناعي فلا نُكتشف، لا كيف نستخدمه مساعدًا لتحسين المنتج النهائي!) وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد “اختلاف مخاوف” لتتحول إلى اختلاف علاقة الإنسان بالمعنى ذاته.
الغربي يخاف الذكاء الاصطناعي لأنه يراه جزءًا من منظومة هائلة: مصانع وبيانات ومناخ وشركات عابرة للقارات وسياسات تتصارع على الهيمنة، يعني ببساطة: هو يخاف النتائج الكبرى، أما نحن فنخافه لأنه دخل منطقة حساسة جدًا لدينا: منطقة الحقائق والهويات والسلطة، هو لم يأتِ فقط ليكتب مقالًا أو يصنع صورا، بل ليلعب في أرض “المقدسات”؛ ما الصواب وما الخطأ؟ من مع من؟ أين الحقيقة؟ وما أصل الأشياء؟
وبدل أن يكون محرّكا للوعي، أصبحنا نخشى تحوله إلى “مسرّع” للفتنة، بدل أن يكون “مساعدًا للمعرفة”، قد يصبح “موظفًا لدى الأيديولوجيا”.
تدريبات على النجاة لا الفهم!
لكن المشكلة ليست فيه إنما في المرآة التي جاء بها، هو لم يصنع جهلنا، لكن فضحه، لم يخلق سطحيتنا، وإنما جعلها تطفو على السطح، لم يبتدع هوسنا بالشهادات، لكنه كشف أن كثيرًا من التعليم لدينا كان تدريبًا على “النجاة” لا “الفهم”.
ومن هنا نفهم لماذا يخافه بعضنا كأنه شيطان، ويعشقه بعضنا كأنه المخلّص، لأنه ببساطة يقدّم شيئًا خطيرًا جدًا لشعوب أنهكها التفكير: إجابات جاهزة، والإجابات الجاهزة في مجتمع مأزوم، ليست نعمة دائمًا، أحيانًا تكون مخدرًا، وأحيانًا سلاحًا، وأحيانًا ترخيصًا بالكسل.
الفارق بيننا وبينهم ليس “وعيًا” مقابل “تخلف” وإنما موقع كل مجتمع من السردية. هم في مركز الصناعة، ونحن على هامش الاستهلاك، هم يخافون الوحش لأنه يكبر في بيتهم، ونحن نخافه لأنه قد يلتهم ما تبقى من بيتنا أصلًا.
والسؤال الحقيقي الذي لا نحب سماعه: هل نريد الذكاء الاصطناعي ليزيدنا إنسانية؟ أم نريده ليعفينا من الإنسان ويحتل مكانه؟
وهنا تصبح المسألة امتحانًا أخلاقيًا قبل أن تكون تقنية: هل نستخدمه لنكتب أفضل؟ أم ليكتب بدلًا منّا؟ هل نستخدمه لنفهم أكثر؟ أم لنتظاهر أننا فهمنا؟ هل نستخدمه ليحرّر وقتنا للإبداع؟ أم ليحرّر وقتنا للفراغ؟
لأن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر المجتمع وحده، هو فقط يسرّع اتجاهه، فإن كنتَ تتجه نحو المعرفة، فسيأخذك أسرع، وإن كنتَ تتجه نحو التفاهة. فسيقذفك إلى قاعها بسرعة الضوء.
ونحن/ أنت من يحدد ذلك.
فما رأيك أنت؟