بلوق وظيفة

هل يقضي الذكاء الاصطناعي على الصحفيين؟

الصحافة مهنة إنسانية في المقام الأول، والخبر والتحقيق والمقال والفيتشر أذرعها، أي أثرها والتطبيق العملي لكينونتها، مش التعريف الأوحد ليها.
وبناء عليه فلا يمكن للصحفي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده وركن مهاراته وخبراته الإنسانية.
بالذكاء الاصطناعي، نجمع المعلومات، نتحقق منها، نحلل البيانات الضخمة، ننشئ البرسونا، ننفذ الصور والفيديو والإنفوجرافيك، نكشف التناقضات ونناقش الأفكار والفرضيات وندقق لغويًا، لكن يبقى اختيار زاوية المعالجة، والتحقق من كل كلمة، وتجميع الخيوط، ووضع المنتج النهائي في حيز التنفيذ على عاتق الصحفي نفسه.
التنازل عن دورك للآلة، لتسريع الأداء أو زيادة الإنتاج، أول خطوة في طريق نهايتك.
لأن القارئ لا يبحث عن الكلمات فقط، بل يبحث عمّن اختار هذه الكلمات. لا يبحث عن المعلومات وحدها، بل عن العقل الذي رتّبها، والقلب الذي شعر بها، والخبرة التي منحتها معناها.

ما تستطيعه الآلة وما لا تستطيعه!

الآلة تستطيع أن تخبرك بما حدث، لكنها لا تستطيع أن تخبرك لماذا يستحق ما حدث أن يُروى. تستطيع أن تجمع ألف معلومة في ثوانٍ، لكنها لا تعرف أي معلومة تستحق أن تتصدر المشهد وأيها يجب أن تبقى في الهامش.
الصحفي الحقيقي لا ينافس الذكاء الاصطناعي في السرعة، لأن المعركة خاسرة من البداية. ولا ينافسه في الحفظ والاسترجاع، لأن ذاكرته أكبر من أي ذاكرة بشرية. الصحفي الحقيقي ينافسه في شيء واحد فقط: الإنسانية.
في القدرة على رؤية ما لا يظهر في البيانات، وسماع ما لا يُقال في التصريحات، والتقاط القصة المختبئة خلف الأرقام والصور والوقائع.
لهذا لن يأخذ الذكاء الاصطناعي مكان أي صحفي، فقط ذلك الذي قرر أن يتحول -بكامل إرادته- إلى آلة.
أما الذي يظل إنسانًا، فضوليًا، شكاكًا، متأملًا، قادرًا على الربط والاستنتاج وطرح الأسئلة الصعبة، فسيجد في الذكاء الاصطناعي مساعدًا قويًا، لا بديلًا عنه.
وفي النهاية، كما أن الكاميرا لم تقتل المصور، والآلة الكاتبة لم تقتل الكاتب، والإنترنت لم يقتل الصحافة، فلن يقتل الذكاء الاصطناعي الصحفي. الذي قد يقتله حقًا هو أن ينسى ما الذي جعله صحفيًا من الأساس.

ترك الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *