منذ عدة أسابيع، وفي مؤتمر Express Adda بالهند، وهو مؤتمر يضم نخبة من رواد الأعمال وصنّاع القرار، خرج سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، للرد على واحدة من أكثر الانتقادات الموجّهة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة، وهي مسألة الاستهلاك الهائل للطاقة. انتقادات تتعلق بتأثير مراكز البيانات على البيئة، والاقتصاد، وأنظمة الطاقة عالميًا، لا سيما مع التوسع السريع في استخدام نماذج مثل ChatGPT.
ألتمان لم ينكر حجم هذا الاستهلاك، لكنه اختار زاوية مختلفة تمامًا للرد. قال إن المقارنة العادلة لا ينبغي أن تقتصر على سؤال: «كم يستهلك الذكاء الاصطناعي من الطاقة؟»، بل يجب أن تُطرح بصيغة أخرى: كم ننفق على الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الإنتاج؟ فالإنسان، بحسب طرحه، يحتاج إلى طعام وشراب وطاقة وتعليم ورعاية صحية لما يقارب عشرين عامًا قبل أن يصبح منتجًا، بينما تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي، بعد تدريبها، أن تبدأ الإنتاج في وقت أقصر وبكفاءة أعلى.
هذه العبارة، في سياقها ومكانها، لا يمكن اعتبارها مجرد رد تقني عابر. إنها مقارنة مباشرة بين الإنسان والآلة، مقارنة جادة وصريحة، صادرة عن مدير واحدة من أهم شركات التكنولوجيا في العالم، وتهدف بوضوح إلى حسم سؤال القيمة الاقتصادية: من هو الأوفر؟ من هو الأدق؟ ومن الأجدر بالاستثمار؟
التحول في الخطاب
هنا يتبدّى التحول في الخطاب. لسنوات طويلة، حرصت شركات الذكاء الاصطناعي على طمأنة العالم بأن الذكاء الاصطناعي «مساعد» للإنسان لا بديل عنه. لكن حين تُصاغ المقارنة بلغة التكاليف والعوائد، وبلغة «كم ننفق لنحصل على النتيجة نفسها»، نكون قد غادرنا منطق المساعدة ودخلنا صراحة في منطق الاستبدال.
هذا الطرح ليس غريبًا عن تاريخ الرأسمالية. فقد حذّر كارل ماركس من هذه اللحظة قبل نحو قرنين، حين قال إن الرأسمالية حوّلت عمل الإنسان إلى تكرار آلي بلا روح، وجعلت الإنسان نفسه أقرب إلى آلة في خدمة الربح. ومع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، استُبدل الإنسان بالآلة في العمل البدني لأنها كانت أسرع وأوفر. واليوم، يبدو أننا أمام طور جديد من المنطق ذاته: آلة لا تعمل فقط، بل تفكّر أيضًا.
تصريحات ألتمان تفترض ضمنيًا أن الهدف النهائي من كل جهد، سواء كان بشريًا أو آليًا، هو الإنتاج: تقليل التكاليف، زيادة الأرباح، ورفع الكفاءة. حتى الإنسان نفسه، ضمن هذه المعادلة، تُقاس قيمته بمدى إنتاجيته. وإذا كانت الآلة تنتج أكثر، وأسرع، وبتكلفة أقل، فإن الإجابة الاقتصادية تبدو محسومة.
لكن هنا تبرز المعضلة الكبرى. فالرأسمالية، كما نعرفها، قائمة على وجود طبقة عاملة يُستخرج منها فائض القيمة، فإذا بدأت هذه الطبقة في التآكل، وإذا استُبدل الإنسان بآلة تفكّر وتنتج، فمن أين سيأتي فائض القيمة؟ وكيف يمكن للنظام نفسه أن يستمر؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة. غير أن المؤكد أن تصريحات سام ألتمان لم تكن عابرة ولا بريئة. لقد كانت لحظة كاشفة، تشير إلى أننا ربما نقف بالفعل على أعتاب عالم جديد، تُعاد فيه صياغة قيمة الإنسان، لا من منظور أخلاقي أو إنساني، بل من منظور اقتصادي بحت.
هل تعرضنا للخداع؟
وهنا يفرض نفسه سؤال كان يُطرح همسًا، وأصبح اليوم يُقال علنًا: هل كانت هذه هي الخطة منذ البداية؟
ربما لم يكن خطاب «الذكاء الاصطناعي مساعد لا بديل» سوى مرحلة تمهيدية، أو نوع من التهدئة، وربما التخدير، لتمرير هذه النماذج إلى البيوت والشركات والمؤسسات وسوق العمل دون مقاومة حقيقية. ومع مرور الوقت، ومع ترسّخ الأمر الواقع، تغيّرت اللغة. لم تعد هناك حاجة إلى تجميل الصورة أو مراعاة الحساسية الأخلاقية. أصبحت المقارنة مباشرة، باردة، وصريحة: من أوفر؟ من أدق؟ ومن أقل تكلفة؟
في العالم القادم، قد تختفي قيمة الإنسان تمامًا، أو تتحول –في أفضل الأحوال– إلى قيمة تكميلية. إنسان بوصفه إكسسوارًا لا متنًا، تابعًا لا قائدًا، مساعدًا لا مديرًا. والمفارقة المؤلمة أن الأدوار انقلبت: الآلة التي قيل إنها مجرد «أداة» أصبحت في موقع القرار، والإنسان الذي كان «الغاية» تحوّل إلى وسيلة.
وهذا يفسّر لماذا انكشف الخطاب بغتة. ليس لأن الحقيقة ظهرت فجأة، بل لأن الزمن الذي كان يحتاج إلى تغطيتها قد انتهى. النموذج انتشر، السوق تكيّف، المؤسسات أعادت هيكلتها، والناس بدأوا يفقدون وظائفهم بالفعل. أصبح الاعتراض متأخرًا، والمقاومة مكلفة، والرضوخ أسهل.
تاريخيًا، لم تقم الثورات من فراغ. كانت دائمًا رد فعل على أنماط من السيطرة القهرية: احتلال أجنبي، سلطة سياسية مستبدة، أو طبقة اقتصادية تحتكر الثروة والقرار. لكننا اليوم نواجه نوعًا جديدًا من السيطرة؛ سيطرة لا تحمل سلاحًا، ولا تفرض قوانين بالقوة، لكنها تتحكم في المعرفة، والعمل، وإيقاع الحياة اليومية، بل وفي معنى «الجدوى» نفسه.
الثورة المقبلة
السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن نشهد ثورة من نوع جديد؟
ليست ثورة ضد دولة، ولا جيش، ولا حاكم، بل ثورة ضد تحالف اللاعبين التكنولوجيين الكبار، ضد الشركات التي باتت تمتلك الخوارزميات، والبنية التحتية، والبيانات، ومن ثم تمتلك المستقبل نفسه. ثورة يحاول فيها الإنسان أن يستعيد حقه في أن يكون أكثر من مجرد «عنصر تكلفة».
قد لا تكون هذه الثورة في الشوارع. قد تتخذ أشكالًا أخرى: انسحابًا واعيًا، تباطؤًا متعمّدًا، إعادة تعريف للنجاح، مقاومة ثقافية، أو حتى حنينًا منظّمًا إلى حياة أقل كفاءة، لكنها أكثر إنسانية. محاولة للعودة إلى حياة غير محسوبة بالكامل، حياة فيها خطأ وبطء وتجربة ومعنى، لا مجرد إنتاج.
ليس واضحًا إن كانت هذه الثورة ممكنة، أو إن كانت ستنجح، أو حتى إن كانت ستبدأ. لكن الواضح أن الصراع القادم ليس بين طبقات اجتماعية فقط، ولا بين دول، بل بين الإنسان… وما صنعه بيديه، ثم بدأ يفلت من يديه.
وربما، لأول مرة في التاريخ، سيحتاج الإنسان أن يثور كي يظل إنسانًا.