بلوق وظيفة

واقع الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى: بين التهويل والواقع

حينما تطورت أدوات توليد الموسيقى باستخدام الذكاء الاصطناعي، تملك الكثيرين منا الذهول والوجل من ذلك المستوى المتقدم، وسرى اعتقاد بأن هذه التقنية ستُقصي المبدعين وتجلسهم في بيوتهم، وتشكل خطرًا محدقًا بالفنانين.

ولكن، مع خوض التجربة والممارسة، تبلورت لديّ عدة ملاحظات جوهرية:

  • أولًا: غياب الاستقلالية

    الذكاء الاصطناعي لا يعمل بمفرده؛ بل يحتاج دائمًا إلى موجهٍ خبير يقود دفته ويُحسن توجيهه للوصول إلى نتيجة تليق بالاستماع.

  • ثانياً: العجز اللغوي (تأليف الكلمات)

    مستواه في كتابة كلمات الأغاني رديء للغاية، بل يقل عن مستوى طفل في الصفوف الابتدائية الأولى. حتى الآن، لا توجد أداة ذكاء اصطناعي تتقن هذه المهمة (لا سيما بالعامية المصرية)، وما ينتجه ليس سوى عبارات مشوشة ومضطربة لا تصلح للغناء. بناءً على ذلك، لا يمكن الاعتماد عليه في التأليف، بل يجب تزويده بنصوص جاهزة من صنع البشر.

  • ثالثاً: محدودية التلحين (تنغيم النصوص)

    مستواه في التلحين مقبلٌ ومقبول إجمالاً، لكنه يفتقر تماماً إلى روح الإبداع والابتكار. لا يمكن الاتكال عليه في هذه المهمة أيضاً، ولن تخرج منه بجملة لحنية عذبة أو مستساغة إلا بمحض الصدفة؛ لذا فالأفضل دائماً هو تغذيته بلحنٍ وضعه ملحن بشرى.

  • رابعاً: التفوق في التوزيع الموسيقي

    هنا تكمن قوته الحقيقية؛ فمستواه في التوزيع الموسيقي ممتاز ويمتاز بالكفاءة، لكن شريطة أن يكون المستخدم فاهماً لأنماط الموسيقى، ومدركاً للوجهة والروح التي يريد أخذ الأغنية إليها. من يمتلك هذه المعرفة، سيستخرج من الآلة عملاً مذهلاً.

الأثر الحقيقي على الموزعين الموسيقيين

لقد ألحقت هذه التقنية ضرراً فادحاً بفئة الموزعين ذوي المستوى المتوسط أو المقبول، إذ تفوق الذكاء الاصطناعي عليهم من حيث جودة الهندسة الصوتية، ونقاء الأصوات، ودقة الحسابات الرقمية.

الذكاء الاصطناعي أبدًا لن يضر الموزع الفذ الذي يمتلك فكرا، ورؤية موسيقية، وبصمة فريدة.

هذا النوع من الفنانين الحقيقيين بدأ بالفعل في تطويع الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لتوفير الوقت والجهد جزئياً، دون الاعتماد الكلي عليه. فهو يضع بصمته الخاصة وشخصيته في العمل، فيحدث فارقاً شاسعاً؛ تماماً مثلما كان يتفوق سابقاً على الموزع التقليدي. إنه يتفوق اليوم على الذكاء الاصطناعي لأن الآلة تتعلم مما هو موجود ومتاح مسبقاً ولا تبتكر الجديد، بينما الموزع الماهر يخترع ويبتكر ما لم يسبقه إليه أحد.

وعموماً، ليست كل الأعمال الفنية بحاجة إلى ذلك الطراز الرفيع من الموزعين؛ ولذا نرى أعمالاً تجارية استهلاكية كثيرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي كموزع موسيقي، وتحقق هدفها وتؤدي غرضها بنجاح.

الخلاصة والحقيقة الثابتة

إن الفكرة الفلسفية التي خرجت بها من هذه التجربة هي: أن الذكاء الاصطناعي تلميذ نجيب جداً، وبارع للغاية في الأمور التي يمكن تلقينها وتدريسها، بل يتفوق فيها على الجميع.

أما الأشياء الروحية والوجدانية التي لا تُلقن ولا تُدرَس، فإنه يفشل فيها فشلاً ذريعاً؛ إذ من أين له أن يأتي بالمشاعر والإلهام؟

فعلى سبيل المثال: قد تجد مئات الدورات التدريبية التي تُعلم “الهندسة الصوتية” أو “التوزيع الموسيقي”، ولكنك لن تسمع قط عن دورةٍ لتعليم “كتابة الأغاني وشاعرية الكلمة” أو دورة لتعليم “موهبة التلحين”.. إنها باختصار أشياءُ لا تُشترى ولا تُلقَّن.

للتواصل مع الفنان

مشاهدة 80

1 تعليق

ترك الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *