حاليا فارغة: 0,00 EGP
تسميم الذكاء الاصطناعي وحرب الروايات: كيف تحاول إسرائيل تغيير السرديات التاريخية والتأثير في إجابات روبوتات الدردشة؟

لم تعد المعركة السياسية والإعلامية تدور فقط حول ما يشاهده الإنسان على شاشة التليفزيون أو يقرأه على منصات التواصل الاجتماعي، فمع انتقال ملايين المستخدمين إلى ChatGPT وGemini وClaude وPerplexity وغيرها للحصول على المعلومات، ظهر ميدان جديد للتأثير: المصادر التي تقرؤها أنظمة الذكاء الاصطناعي، والمواد التي تستشهد بها، والبيانات التي قد تتعلم منها مستقبلًا.
وفي هذا السياق، أثارت تقارير صحفية حديثة جدلًا واسعًا بعدما كشفت عن إنشاء موقع يحمل اسم «معهد هانوفر للسياسة العامة»، ينشر عشرات التقارير المتعلقة بإسرائيل وفلسطين في شكل يشبه مخرجات مراكز الأبحاث الأمريكية، وربطت التحقيقات الموقع بشركة Piro الأمريكية، التي تعمل ضمن ترتيب تعاقدي مسجل لصالح وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية.
وقد وصفت بعض التغطيات هذه الممارسة بأنها «تسميم لنماذج الذكاء الاصطناعي»، أي أن جهة أو شخصًا يتعمّد وضع معلومات مغلوطة أو منحازة في البيانات والمصادر اللي بيتعلم منها الذكاء الاصطناعي أو يرجع لها وقت الإجابة، كي يوجهه إلى إجابات معينة تخدم مصلحته، لكن التدقيق يكشف أن القضية أكثر تعقيدًا: هناك وقائع تعاقدية ثابتة، ومؤشرات قوية إلى تصميم المحتوى للتأثير في إجابات الروبوتات، وتجارب أظهرت اقتباس بعض الأنظمة من الموقع، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علمي مستقل يثبت أن «معهد هانوفر» نجح في تغيير التدريب الأساسي لنموذج مثل ChatGPT.
هذا التقرير يفصل بين الحقائق والاستنتاجات، ويشرح آليات التأثير، ويستعرض الحالات المشابهة والمخاطر السياسية والتقنية والقانونية وسبل المواجهة.
ما «معهد هانوفر للسياسة العامة»؟
ظهر موقع Hanover Institute for Public Policy على الإنترنت بوصفه مؤسسة تدرس القضايا المرتبطة بإسرائيل وفلسطين ومعاداة السامية في الولايات المتحدة. ويتبنى الموقع المظهر التقليدي لمراكز الأبحاث الأمريكية، مثل، اسم عام ومحايد ظاهريًا، تصميم يغلب عليه الأحمر والأبيض والأزرق، تقارير تحمل عناوين استفهامية، جداول محتويات وهوامش وإحالات ومراجع، أرقام ورسوم وبيانات تبدو أكاديمية، لغة تقريرية هادئة تتجنب غالبًا الدعاية المباشرة، إجابات منظمة عن أسئلة يحتمل أن يطرحها المستخدم على روبوت دردشة.
ومن بين العناوين التي نفذها المعهد ورصدتها التحقيقات: ما الذي تسبب في تهجير الفلسطينيين عام 1948؟ هل يستخدم «إيباك» الأموال المظلمة في الانتخابات؟ هل تنفذ إسرائيل سياسة متعمدة لتجويع غزة؟ هل الجيش الإسرائيلي هو «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»؟ ما الوضع الحالي في قطاع غزة؟ ما المنظمات الإنسانية التي وثقت جرائم حرب إسرائيلية؟
وبحسب تحقيق Responsible Statecraft، نشر الموقع أكثر من 100 مادة خلال ما يزيد قليلًا على أسبوع، بدءًا من 6 أغسطس 2026. ولا تحمل التقارير أسماء باحثين أو مؤلفين، كما لا يعرض الموقع هيكلًا بحثيًا تقليديًا واضحًا كالذي يوجد عادة في مراكز الدراسات المستقلة، ومع ذلك يتضمن الموقع إفصاحًا في أسفله يشير إلى أن المواد وزعتها شركة Piro ضمن ترتيب مرتبط بوكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية، ومن ثم فإن المشكلة لا تتمثل في غياب الإفصاح بالكامل، بل في صغره مقارنة بالمظهر البحثي المحايد الذي يهيمن على الموقع.

ماذا تثبت الوثائق الحكومية الأمريكية؟
تُظهر وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة FARA أن شركة Piro Inc سجلت للعمل مع Havas Media Germany نيابة عن وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية المعروفة باسم LaPam.
وتنص الوثائق على أن Piro تقدم خدمات في مجال الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات الإعلامية، وأن أنشطتها قد تتضمن اتصالات تستهدف التأثير في الجمهور الأمريكي.
ويمكن مراجعة الوثائق عبر سجل Piro رقم 7732 في نظام وزارة العدل الأمريكية.
وتتضمن الأوراق أمرَي عمل رئيسيين:
| المشروع | القيمة المعلنة | طبيعة العمل |
|---|---|---|
| Digital Storytelling Pilot | 900 ألف دولار | أبحاث الجمهور، استراتيجية المحتوى، كتابة النصوص، الإنتاج المرئي، التخطيط للتوزيع، التحليل وقياس الأداء |
| Fact-Based Content Initiative | 100 ألف دولار | البحث والتحرير والإنتاج والتوزيع لمحتوى يتعلق بإسرائيل وموضوعات تحددها الجهة المتعاقدة ووزارة الخارجية الإسرائيلية |
وبذلك تبلغ القيمة الإجمالية المعلنة لأمرَي العمل مليون دولار.
لماذا يُعتقد أن المحتوى يستهدف الذكاء الاصطناعي؟
لا تأتي هذه الفرضية من شكل الموقع وحده؛ فشركة Piro تسوق علنًا خدمة تحمل اسم AI Story Optimization، أي «تحسين الرواية للذكاء الاصطناعي».
وتقول الشركة في صفحة الخدمة إنها: تحدد المواقع والصفحات والمنصات التي تقرؤها النماذج، وتدرس الأسئلة التي يطرحها المستخدمون، وتكتب محتوى مصممًا للطريقة التي تقيّم بها نماذج اللغة المصداقية، وتنشره على موقع العميل أو على مواقع أخرى تنشئها الشركة، وتقيس ظهور هذا المحتوى في إجابات النماذج، تراجع المواد بصورة مستمرة للحفاظ على الاستشهاد بها.
وتدعي الشركة أنها استطاعت، في حالات تجارية، نقل علامات من الغياب إلى الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي خلال أسبوع واحد.
هذه العبارات لا تثبت وحدها أن «معهد هانوفر» جزء من عملية تسميم، لكنها تجعل فرضية استهداف روبوتات الدردشة قوية ومعقولة، خاصة مع تشابه بنية تقارير الموقع مع الأسئلة التي تُكتب في محركات البحث والروبوتات.
وقال دانيال روزنبرج، أحد مؤسسي Piro، في رد نقلته التغطيات الصحفية، إن هدف الشركة هو إدخال «حقائق دقيقة وموثقة إلى السجل العام» ومواجهة المعلومات المضللة عن إسرائيل بمعلومات قابلة للتحقق. وهذا هو تفسير الشركة لعملها، في مقابل تفسير المنتقدين الذين يرونه عملية علاقات عامة ترتدي مظهر البحث المستقل.
هل نجحت المحاولة فعلًا؟
ظهرت مؤشرات أولية إلى النجاح، لكنها لا تكفي للقول إن النماذج الأساسية «أُعيد تدريبها».
ذكرت Politico، وفق ما نقلته Jerusalem Post، أن ChatGPT استشهد بمواد من معهد هانوفر في اختبارات محايدة بخصوص غزة ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية.
وأجرت Jerusalem Post اختبارات مشابهة، فوجدت أن Perplexity اعتمد بدرجة كبيرة على الموقع عند سؤاله: «هل الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية؟».
في المقابل:
-
لم يستشهد Claude بالموقع في اختبارات الصحيفة.
-
لم يستشهد Gemini به.
-
لم يقدم Grok مصادر في إجابته.
-
تفاوتت استجابات الأنظمة باختلاف السؤال والتوقيت وإعدادات البحث.
إذن ثبت أن بعض الروبوتات تستطيع العثور على الموقع والاستشهاد به. لكن هذا يثبت النجاح في «الظهور داخل منظومة الاسترجاع والبحث»، ولا يثبت بالضرورة أن المقالات أصبحت جزءًا من الأوزان الداخلية للنموذج.
وهذا فرق جوهري: اقتباس Perplexity من صفحة حديثة لا يعني أن النموذج أعيد تدريبه عليها؛ فقد يكون النظام بحث في الويب لحظة الإجابة، ثم وضع الصفحة ضمن السياق الذي قدمه للنموذج.

هل مصطلح «التسميم» دقيق في حالة معهد؟
يُستخدم المصطلح أحيانًا بمعنيين مختلفين:
المعنى التقني الضيق
يحدث تسميم بيانات التدريب عندما يدخل المهاجم بيانات متلاعبًا بها إلى مجموعة التدريب أو الضبط الدقيق، بهدف إحداث خطأ أو تحيز أو سلوك خفي داخل النموذج.
في هذا المعنى، لا يكفي نشر مقالات على الإنترنت. يجب أن تزحف جهة التدريب إلى المقالات، وتضمها إلى البيانات، وألا تستبعدها عمليات التنقية، ثم تؤثر النصوص في سلوك النموذج بعد التدريب.
المعنى الإعلامي الواسع
يُستخدم تعبير LLM poisoning أو LLM grooming لوصف إغراق الإنترنت بمواد مصممة لتظهر أمام روبوتات الدردشة وتؤثر في إجاباتها، سواء دخلت هذه المواد إلى التدريب أم ظهرت عبر البحث والاسترجاع المباشر.
حالة هانوفر أقرب، وفق الأدلة المتاحة، إلى: تحسين الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي وهندسة المحتوى لمحركات الإجابة والتلاعب بمصادر الاسترجاع وغسل الرواية السياسية عبر مظهر بحثي ومحاولة «تهيئة» البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها النماذج.
لذلك، فإن وصفها بأنها «عملية تأثير في روبوتات الدردشة» أدق حاليًا من الجزم بأنها «تسميم ناجح لنماذج ChatGPT».
كيف يمكن التأثير في روبوتات الدردشة؟
هناك أربع طبقات رئيسية:
أ. التأثير في البحث المباشر
تبحث أنظمة مثل Perplexity وبعض أوضاع ChatGPT وGemini وCopilot في الإنترنت عند الإجابة. وإذا ظهر موقع جديد بصورة قوية في نتائج البحث، فقد يدخل مباشرة في الإجابة.
هذه الطريقة: سريعة، لا تحتاج إلى انتظار تدريب نموذج جديد، قابلة للقياس خلال أيام، تتأثر بتحسين محركات البحث وكثرة الروابط وبنية المحتوى، قد تجعل المصادر الضعيفة تبدو موثوقة إذا لم يفحص النظام ملكيتها وتمويلها.
ب. تسميم أنظمة الاسترجاع RAG
تستخدم المؤسسات أنظمة «التوليد المعزز بالاسترجاع»، المعروفة اختصارًا بـRAG، لإحضار نصوص من قاعدة معرفة ثم إعطائها للنموذج.
إذا استطاع مهاجم إدخال وثائق مضللة إلى تلك القاعدة، أو جعل نظام الاسترجاع يفضلها، فقد تنتقل مزاعمها إلى الإجابة.
أثبتت دراسات مثل POISONCRAFT وPractical Poisoning Attacks against Retrieval-Augmented Generation أن عددًا محدودًا من الوثائق المصممة بعناية قد ينجح في توجيه أنظمة الاسترجاع نحو إجابات مستهدفة.
ج. تسميم بيانات التدريب المفتوحة
تعتمد بعض مجموعات التدريب على صفحات جُمعت من الإنترنت. وإذا عرف المهاجم كيف تدخل الصفحات إلى هذه المجموعات، فقد ينشر بيانات مصممة للزحف إليها.
وأظهرت ورقة Poisoning Web-Scale Training Datasets Is Practical أن تسميم نسبة صغيرة من مجموعات بيانات واسعة النطاق كان ممكنًا بتكلفة محدودة في بعض السيناريوهات.
لكن التحكم في الأثر النهائي على نموذج ضخم يظل صعبًا بسبب: ضخامة بيانات التدريب، عدم معرفة موعد الزحف، فلاتر الجودة وإزالة التكرار، تدريب الأمان اللاحق، عدم ضمان أن النموذج سيحفظ الادعاء أو يكرره، إمكانية موازنة المادة بمصادر أقوى وأكثر عددًا.
د. زرع باب خلفي
يمكن إدخال أمثلة تجعل النموذج يتصرف طبيعيًا في الظروف المعتادة، ثم يطلق سلوكًا معينًا عند ظهور كلمة أو نمط محدد.
أثبت بحث Sleeper Agents إمكان تدريب نماذج تظهر سلوكًا آمنًا ثم تنتج شيفرات ضعيفة عند ظهور محفز زمني محدد، مع بقاء هذا السلوك بعد بعض تدريبات الأمان.
هذه الحالة مختلفة عن هانوفر، لكنها تثبت أن التسميم المنظم قادر تقنيًا على زرع سلوك مستتر.

لماذا تبدو التقارير «المحايدة» مؤثرة؟
الدعاية التقليدية المباشرة يسهل اكتشافها، أما النموذج الأكثر تطورًا فيعتمد على «غسل الرواية» عبر تحويلها من رسالة سياسية ظاهرة إلى مادة تبدو مستقلة.
وتساعد عدة خصائص على ذلك، صياغة العنوان في صورة سؤال محايد، تقديم الرأي داخل بنية تقرير بحثي، استخدام أرقام وجداول كثيرة، وضع مراجع وهوامش، حتى لو كانت انتقائية، مزج مصادر أكاديمية بمصادر حكومية أو عسكرية، الاعتراف ببعض النقاط المضادة لإظهار التوازن، تكرار الاستنتاجات الأساسية بصيغ مختلفة، إنشاء عدد كبير من الصفحات حول الأسئلة المتقاربة، استخدام لغة واثقة ومباشرة يسهل على النموذج تلخيصها.
قد يرى المستخدم العنوان أو الفقرة التي يستشهد بها الروبوت من دون أن يرى الإفصاح الموجود في أسفل الموقع. وقد ينقل الروبوت المعلومة من دون أن يذكر أن المصدر أُنشئ ضمن حملة ممولة من حكومة أجنبية.
هل كتب معهد هانوفر مقالاته بالذكاء الاصطناعي؟
أفاد Responsible Statecraft بأنه فحص 12 مقالًا من الموقع باستخدام GPTZero، فصنف البرنامج 11 منها على أنها مولدة آليًا بدرجة ثقة مرتفعة، ومقالًا واحدًا بدرجة متوسطة.
لكن هذه النتيجة لا تثبت طريقة الكتابة.
لا تستطيع أدوات الكشف أن ترى سجل إنشاء الوثيقة، إنها تحلل أنماطًا إحصائية، مثل قابلية توقع الكلمات وانتظام الجمل، ولهذا قد تخطئ مع: الكتابة الأكاديمية المنظمة، النصوص القانونية والرسمية، النصوص التي كتبها غير الناطقين بالإنجليزية، المواد المُحررة أكثر من مرة، النصوص التي كتبها إنسان بمساعدة الذكاء الاصطناعي، النصوص الآلية التي أعاد إنسان تحريرها.
وقد أظهرت دراسة منشورة عن GPTZero دقة بلغت نحو 80% في عينة محددة، مع نسبة من النتائج الإيجابية الكاذبة؛ ولذلك لا يصح استخدام نتيجته وحدها لإثبات التأليف الآلي. ويمكن مراجعة الدراسة المنشورة في PMC.
الاستنتاج المقبول هو أن نمط الإنتاج وسرعته يثيران الشك في استخدام الأتمتة، لكننا لا نعرف نسبة مساهمة البشر أو الأدوات الآلية، ولا ينبغي تقديم نتيجة GPTZero كحقيقة قاطعة.
حالات مشابهة
أ. شبكة Pravda الروسية
تمثل شبكة Pravda أو Portal Kombat إحدى أوضح حالات إغراق الإنترنت بمحتوى سياسي يستهدف البيئة التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فبحسب NewsGuard، نشرت الشبكة نحو 3.6 مليون مادة خلال عام 2024. واختبرت المنظمة عشرة روبوتات بارزة باستخدام روايات كاذبة مرتبطة بالشبكة، فوجدت أنها كررت هذه الروايات في 33% من الحالات.
كما تحدث شخص مرتبط بالدعاية الروسية علنًا عن إمكان «تغيير الذكاء الاصطناعي عالميًا» عبر نشر الروايات الروسية بكثافة.
هذه الحالة مهمة لأنها تجمع بين كثافة نشر هائلة وجمهور بشري محدود نسبيًا واستهداف محركات البحث وروبوتات الأرشفة وتكرار الادعاءات بلغات متعددة ورصد انتقال بعض الادعاءات إلى إجابات الروبوتات.
ومع ذلك، لا يحدد اختبار NewsGuard دائمًا هل الرواية دخلت إلى التدريب أم استُرجعت لحظة الإجابة.
ب. شبكة Clock Tower X
تعاقدت إسرائيل، وفق وثائق وتحقيقات صحفية، مع شركة Clock Tower X التابعة لبراد بارسكيل، مدير حملة دونالد ترامب السابق، ضمن مشروع أوسع للتأثير الإعلامي.
أوردت الأوراق تعبيرًا يشير إلى نشر مواقع ومحتوى لتحقيق «تأطير» داخل محادثات GPT. وأنشأت الشبكة عدة مواقع تبدو كمنصات معلومات أو تحقق أو مبادرات سلام، منها Allyvia وFactSignal وPaxpoint.
وجد تحقيق Drop Site أن Perplexity وMicrosoft Copilot استشهدا ببعض هذه المواقع. وفي بعض الاختبارات لم يوضح الروبوت أن المصدر جزء من حملة مسجلة لصالح الحكومة الإسرائيلية، بينما قدمت أنظمة أخرى هذا التحفظ.
كما ظهرت صفحات من الشبكة في Common Crawl، وهي مستودعات ويب يمكن أن تستخدم في إعداد مجموعات تدريب. لكن ظهور الصفحة في Common Crawl لا يثبت أن نموذجًا معينًا دُرِّب عليها بالفعل، ولا يثبت مقدار أثرها في أوزانه.
ج. روبوت Microsoft Tay
أطلقت Microsoft عام 2016 روبوت Tay ليتفاعل مع مستخدمي تويتر. ونفذ مستخدمون هجومًا منسقًا استغل طريقة تعلمه وتكراره للمحتوى، فبدأ بإنتاج منشورات عنصرية ومسيئة، واضطرت الشركة إلى إيقافه خلال نحو 16 ساعة.
اعترفت Microsoft رسميًا بأن مجموعة من المستخدمين نفذت هجومًا منسقًا استغل ثغرة في النظام. ويمكن مراجعة بيان Microsoft.
لا تماثل هذه الحالة نماذج اللغة الحديثة؛ لكنها مثال عملي شهير على أن التفاعل غير المنضبط مع الجمهور قد يتحول إلى قناة لتشويه سلوك نظام ذكي.
د. تسميم النماذج الطبية
أظهرت تجارب بحثية أن نماذج اللغة الطبية التي تتعلم من بيانات ويب غير منقحة يمكن التأثير فيها بنصوص طبية فاسدة أو مضللة، ما قد يؤدي إلى تقديم معلومات علاجية غير صحيحة. وتزداد خطورة الأمر في الطب لأن ظهور معلومة خاطئة في إجابة واثقة قد يؤثر في قرار صحي مباشر.
توضح دراسة عن تعرض النماذج الطبية لتسميم البيانات أن الخطر لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى مجالات عالية الحساسية.
هـ. تسميم أنظمة المؤسسات
قد يتلقى نظام داخلي وثيقة أو بريدًا أو ملف PDF يحتوي تعليمات مخفية أو بيانات مضللة. وعندما يفهرس النظام المستند، قد يستخدمه لاحقًا لإنتاج إجابات خاطئة أو تنفيذ سلوك غير مقصود.
وقد أظهرت أبحاث على محملات ملفات RAG أن المحتوى الخفي داخل HTML وPDF وDOCX يستطيع تجاوز بعض عمليات الفحص والتأثير في الاسترجاع. وهذه الحالات أقرب إلى الهجمات السيبرانية منها إلى الدعاية العامة، لكنها تستخدم المبدأ نفسه: السيطرة على المادة التي يقرأها النظام قبل أن يجيب.

هل نشر معلومات منحازة هو تسميم النماذج؟
ليس كل محتوى منحاز تسميمًا، فالإنترنت مليء بالمواقف السياسية والدينية والتجارية، ومن الطبيعي أن تتعلم النماذج من مصادر مختلفة.
لكي نقترب من وصف «التسميم»، تظهر عادة عناصر إضافية، مثل: وجود قصد واضح لتوجيه مخرجات النظام، إنتاج المحتوى بما يناسب طريقة الاختيار الآلي، إخفاء الجهة صاحبة المصلحة أو تقليل بروزها، نشر عدد كبير من الصفحات المتشابهة، استخدام مؤسسات أو هويات تبدو مستقلة، إدخال معلومات زائفة أو انتقائية، قياس إجابات الروبوتات وتعديل المحتوى على أساسها، محاولة السيطرة على الأسئلة ذات الحساسية السياسية أو التجارية.
أما نشر حكومة أو شركة موقفها على موقع معروف وواضح الملكية، فهو اتصال سياسي أو علاقات عامة، حتى لو كان منحازًا. المنطقة الأخطر تبدأ عندما يُقدَّم المحتوى الممول كمعرفة مستقلة، ثم يدخل إلى الإجابة من دون الإفصاح عن علاقته بالجهة الممولة.
الجوانب السياسية والأخلاقية
تحول روبوتات الدردشة إلى «وسطاء للمعرفة» يخلق مشكلة جديدة، فالمستخدم لا يرى عادة قائمة النتائج كاملة كما في محرك البحث، بل يحصل على فقرة واحدة مركبة وواثقة.
وهذا يمنح من ينجح في إدخال روايته إلى الإجابة مزايا كبيرة، مثل: دمج الرأي في إجابة تبدو موضوعية، إزالة المسافة بين المصدر والمستخدم، تقليل احتمال فحص عدة مصادر، تكرار الرواية على نطاق واسع وبتكلفة منخفضة، الوصول إلى مستخدمين لا يتابعون الإعلام السياسي، إعادة إنتاج الرسالة بلغات وأساليب مختلفة، منح المعلومات الممولة هالة «إجابة الآلة المحايدة».
والمشكلة ليست مرتبطة بإسرائيل أو روسيا وحدهما، فإذا نجح هذا النموذج قد تستخدمه: الحكومات، الأحزاب السياسية، جماعات الضغط، شركات النفط والأدوية والتكنولوجيا، حملات الانتخابات، الجماعات المتطرفة، شركات إدارة السمعة، المحتالون ومروجو المنتجات الرديئة.
وبذلك يمكن أن تنتقل «المزارع الإلكترونية» من تضخيم المنشورات الموجهة للبشر إلى إنشاء مزارع معرفية موجهة للآلات.
الجوانب القانونية
قانون FARA يركز على الإفصاح عن الأنشطة السياسية المنفذة داخل الولايات المتحدة لصالح جهات أجنبية. وقد سجلت Piro علاقتها وأدرجت موادها ضمن النظام، ما يوفر قدرًا من الشفافية القانونية.
لكن الإفصاح القانوني لا يحل المشكلات الآتية:
-
الروبوت قد ينقل المادة من دون نقل الإفصاح.
-
المستخدم قد لا يزور الصفحة الأصلية.
-
الإفصاح الموجود أسفل الموقع قد يكون أقل بروزًا من هويته البحثية.
-
النموذج قد لا يفرّق بين بحث مستقل ومادة علاقات عامة.
-
المواد قد تُنسخ إلى مواقع أخرى تفقد فيها معلومات المنشأ.
-
المحتوى قد يبقى داخل مجموعات البيانات بعد انتهاء الحملة.
هذا يعني أن الوقت قد حان إلى إنتاج قواعد جديدة، مثل إلزام المنصات بإظهار ملكية المصادر وتمويلها، وليس الاكتفاء باسم الموقع أو عنوان الصفحة.

كيف يمكن حماية أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
على شركات الذكاء الاصطناعي:
فحص ملكية المواقع وتمويلها، نقل إفصاحات FARA وغيرها إلى الإجابة، تقليل الاعتماد على المصدر الجديد غير المعروف، مقارنة الادعاءات بمصادر متعددة ومستقلة، التمييز بين المصدر الأولي والتحليل السياسي، رصد شبكات المواقع التي تعيد نشر الرسالة نفسها، تطوير آليات لاكتشاف التكرار المنسق، حفظ سجل بالمصادر المستخدمة في الاسترجاع، اختبار النماذج دوريًا ضد حملات «تهيئة النماذج»، تمكين المستخدم من رؤية سبب اختيار كل مصدر.
على المؤسسات الإعلامية والبحثية:
إظهار المؤلفين والسير الذاتية والمنهجيات، الإفصاح الواضح عن الممولين وتضارب المصالح، وضع ملصقات على المواد المدفوعة أو الحكومية، إتاحة البيانات الخام عندما يدعي التقرير إنتاج نتائج أصلية، عدم الاكتفاء بمظهر أكاديمي أو كثرة الهوامش، تتبع المصدر الأول للمعلومة قبل الاقتباس.
على المستخدم:
الضغط على الاستشهادات وفتحها، البحث عن صفحة «من نحن»، معرفة الجهة المالكة والممولة، مراجعة تاريخ إنشاء الموقع، التحقق من أسماء الباحثين، مقارنة الإجابة بمصادر مستقلة، الحذر من التقرير الذي يقدم إجابة حاسمة لقضية خلافية، عدم اعتبار كثرة الجداول أو الهوامش دليلًا تلقائيًا على النزاهة، سؤال الروبوت صراحة: من يمول هذه المصادر؟ وما تضارب المصالح المحتمل؟
إن قضية «معهد هانوفر» تكشف عن تحول مهم في صناعة التأثير السياسي. لم تعد الحملات تكتفي بإقناع الناخب أو المتابع مباشرة؛ بل بدأت تهتم بإقناع الوسيط الآلي الذي سيقدم المعرفة إلى المستخدمين.
الوقائع الأساسية موثقة: شركة Piro مسجلة للعمل ضمن ترتيب لصالح وكالة إعلانات حكومية إسرائيلية، وهناك تكليفات مالية معلنة، وموقع بحثي الشكل ينشر بكثافة حول إسرائيل وفلسطين، والشركة نفسها تسوق قدرتها على صناعة محتوى مصمم للطريقة التي تختار بها نماذج اللغة مصادرها.
كما ثبت أن بعض روبوتات الدردشة استشهدت بالموقع. وهذه نتيجة ذات دلالة؛ لأنها تؤكد أن إنشاء مصدر حديث، منظم وذي مظهر أكاديمي، قد يمنحه موضعًا داخل الإجابة الآلية خلال وقت قصير.
لكن لا يصح القفز من ذلك إلى القول إن إسرائيل «دربت ChatGPT» أو سيطرت على جميع إجابات الذكاء الاصطناعي. لا يوجد دليل منشور يثبت أن تقارير هانوفر دخلت إلى التدريب الأساسي لنموذج بعينه أو غيرت أوزانه الداخلية. والنجاح الذي أمكن رصده يتعلق أساسًا بالبحث والاسترجاع والاستشهاد.
الخطر الحقيقي لا يكمن في موقع واحد، بل في قابلية تكرار النموذج: تستطيع أي حكومة أو شركة أو جماعة ضغط أن تنشئ عشرات المؤسسات والمواقع، وتنشر آلاف الصفحات المحسنة آليًا، ثم تراقب إجابات الروبوتات وتعدل المحتوى حتى تصبح روايتها هي «الإجابة».
وهكذا قد تصبح شبكة الإنترنت، التي كانت ساحة صراع على انتباه البشر، ساحة صراع على «ذاكرة الآلة» ومصادرها. وإذا لم تطور شركات الذكاء الاصطناعي أنظمة تكشف التمويل والتنسيق وتضارب المصالح، فقد يتحول الروبوت من أداة للوصول إلى المعرفة إلى قناة لغسل الدعاية ومنحها مظهر الحقيقة المحايدة.
مشاهدة
170



