بلوق وظيفة

تزييف الحقيقة: كيف تلاعب “الفوتوشوب” والذكاء الاصطناعي بالوعي والتاريخ؟

منذ اللحظة الأولى التي أبصر فيها اختراع الكاميرا النور في عام 1826، وانبهار حاكم مصر محمد علي باشا بها عند التقاط أول صورة له في الإسكندرية عام 1839 واصفاً إياها بأنها “من عمل الشيطان”، لم يتوقف البشر عن استخدام هذه الأداة لتوثيق الواقع… أو لتزييفه! ومع الثورة التكنولوجية المعاصرة ودخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تحولت الصورة من “وثيقة لا تكذب” إلى سلاح ذو حدين يمكنه صياغة عقول الجماهير وتوجيه الرأي العام.

في هذا الإطار، أصدرت مؤسسة المرصد المصري للصحافة والإعلام دليلاً بحثياً شاملاً وعميقاً يحمل عنوان “تزييف الحقيقة.. التلاعب في الصور الصحفية”، من إعداد الباحث د. عمرو نبيل (مؤسس شعبة المصورين بنقابة الصحفيين). يأتي هذا الدليل بمثابة صرخة تحذير مهنية وأخلاقية، مرسخاً مقولة الفيلسوف مايكل فرانكس الشهيرة: “الكاميرا لا تكذب أبداً، لكن المصورين يفعلون”.

من رمسيس الثاني إلى “أبراهام لنكولن”.. تاريخ التزييف ليس حديثاً!

يكشف الدليل في فصوله الأولى أن “فبركة المشاهد” ليست وليدة العصر الرقمي، بل هي سلوك قديم قدم التاريخ. فالمؤرخون ينسبون للمصريين القدماء قيام بعض الحكام بمحو نقوش أسلافهم على الحجر ونسب انتصارات وهمية لأنفسهم، كما فعل الملك رمسيس الثاني الذي محى اسم الملك أمنحتب الثالث عن تمثاله الفريد الموجود بمتحف الأقصر.

ولم يكن الغرب ببعيد عن ذلك؛ إذ يستعرض الدليل ما يُعتقد أنها أول عملية “فوتوشوب” في العالم تعود لعام 1860، وهي الصورة الأيقونية للرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، والتي تبين لاحقاً أنها دمجت برأسه مع جسد سياسي آخر يدعى جون كالهون باستخدام تقنية “الفوتو مونتاج” البدائية. كما يوضح كيف تحولت هذه الممارسة إلى هواية مفضلة للأنظمة الشمولية والدكتاتوريات كستالين وهتلر لمحو معارضيهم من صفحات التاريخ.

صور حرب أكتوبر والصور الرياضية.. بين الإثارة والتوثيق

يفرد الدليل مساحة هامة لتدقيق وفحص بعض الصور الشهيرة والمثيرة للجدل، مؤكداً أن هذا الفحص ليس تشكيكاً في الأحداث بل رغبة في التوثيق المهني. ويستعرض الجدل المثار حول صورة جندي العبور الشهير للمصور شوقي مصطفى ، وأيضاً الصورة الشهيرة للأسير الإسرائيلي التي اتضح بالتدقيق أنها التقطت أثناء تدريبات حقيقية للمجندين قبل الحرب بعشرة أشهر.

كما يسلط الضوء على تلاعب شهير شهدته كبريات الصحف المصرية؛ مثل واقعة تعديل صحيفة “الأهرام” عام 2010 لصورة مباحثات السلام بالبيت الأبيض لوضع الرئيس الأسبق حسني مبارك في مقدمة القادة، مما أثار سيلًا من الانتقادات الدولية واضطرار الصحيفة للاعتذار تحت مسمى “الصورة التعبيرية”.

مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، انتقل التلاعب بالصور إلى مستوى هوليودي من الدقة والسرعة

وحش الذكاء الاصطناعي.. تحدي العصر الجديد

مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، انتقل التلاعب بالصور إلى مستوى هوليودي من الدقة والسرعة. ويستشهد الدليل بالضجة العالمية التي أحدثها الفنان الألماني بوريس الداجسن عام 2023 عندما رفض استلام جائزة “سوني” العالمية للتصوير، مفجراً مفاجأة بأن صورته الفائزة ولدت بالكامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي دون كشفها من لجنة التحكيم!

ولم تقتصر خطورة الأمر على الجوائز، بل امتدت لتزييف الواقع المجتمعي؛ حيث يستعرض الدليل كيف انتشرت في عام 2024 صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي لحادث مروع على الطريق الدائري بمصر، مما دفع الكثيرين للتشكيك في وقوع الحادث نفسه وتسبب في أذى نفسي كبير لأهالي الضحايا بعد تكذيب الصورة الفنية.

كيف تحمي نفسك؟ دليل عملي لكشف التدليس

لا يكتفي الدليل برصد الظاهرة، بل يقدم مجموعة من الطرق والأساليب الفنية البسيطة والمتقدمة لكشف التلاعب. ويشرح خطوة بخطوة للمهتمين بكيفية استخدام برنامج “فوتوشوب” في التحقق من التناقضات ، مثل:

  • فحص مستويات الإضاءة والتدرجات الرمادية (Levels).

  • مراقبة اتجاهات الظلال والانعكاسات غير المنطقية.

  • البحث عن التكرار غير المبرر في ملمس الخلفيات.

كما يرشد القراء إلى استخدام برامج متطورة ومواقع عالمية قادرة على تحديد احتمالات التزييف بنسبة تصل إلى 99.9%، مثل تطبيق (Hive Moderation) واكتشاف “الفلاتر” الرقمية.

دعوة إلى “محو الأمية الإعلامية”

يختتم الدليل بتوصيات هامة تدعو المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين إلى ضرورة تبني برامج الكشف العالمية وتدريب الكوادر. ويوجه نصيحة ذهبية للمواطن العادي بضرورة امتلاك وعي يسمى “محو الأمية الإعلامية”، عبر عدم تداول أو تصديق أي صورة مشكوك بها قبل التحقق من نشرها في أكثر من مصدر رصين وموثوق.

لتحميل الدليل وقراءة تفاصيل أشهر قضايا تزييف الصور محليًا وعالميًا، زوروا الصفحة الرسمية لمؤسسة المرصد المصري للصحافة والإعلام.

مشاهدة 31

ترك الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *