المقالات

“الإبداع المعلب”.. هل نسينا كيف نكون بشرًا؟

Less than a minute to read
أعتقد أنّه سيأتي وقت نُضطر فيه إلى كتابة عبارة “غير مصنوع بالذكاء الاصطناعي” على منتجاتنا الأصلية، كما نكتب عبارة “خالٍ من المواد الحافظة” على الأغذية، وسيصبح الخطأ البشري واللمسة غير المكتملة دليل الجودة والروح، في عالم الذكاء الاصطناعي المنضبط رياضيًا البارد شعوريًا الساعي إلى الكمال!
فالاستسهال المفرط في استخدام التقنية دون خبرة، ولا دراسة، ولا وعي، وفي أي شيء وكل شيء، وبلا امتلاك مهارات حقيقية في المجال، سيقودنا إلى الهاوية.
إلى درجة أنّه أصبح سؤالًا تقليديًا في أي دورة تدريبية أقدمها: “كيف نهرب من كشف كتابتنا بالذكاء الاصطناعي؟” بدلًا من السؤال الأهم: كيف نستخدم هذه التقنية بوعي ومسؤولية؟
الإنسان عبر تاريخه كان يبحث عمن يعمل بدلًا منه، ليتفرغ للهوه ومزاجه، وقد جاءت له الفرصة على طبق من ذهب، ووجد “السيد المتكاسل” أخيرًا “عبدًا إلكترونيًا” يعمل ليلًا ونهارًا، بلا تكلفة ولا متطلبات ولا مساءلة!
التقنية التي خُلقت لتساعد الإنسان وتُلهمه، تحوّلت للأسف إلى بديل عنه، بديل صناعي ماسخ، بلا طعم ولا روح، ومع الوقت سيتحوّل العالم إلى نسخ مكررة ومشوّهة؛ ستكون لدينا وفرة في المُنتَج، وندرة في المعنى. نصوص كثيرة، وصور أكثر، وموسيقى بلا عدد، لكن بلا فرادة، ولا تمايز، ولا روح، وسنغرق في بحر من الجمال المصطنع، حيث كل شيء مثالي لدرجة الغثيان، لكنه يفتقر إلى “الندبات” التي تجعل الفن حقيقيا!

فرانكنشتاين ليس وحشًا!

والآن أفكّر أنّ ماري شيلي في روايتها «فرانكنشتاين» لم تكن تحكي عن وحش، بل عن صانع استسهل ما يفعل، صنع شيئًا، ثم تركه، ولم يتحمّل مسؤولية وجوده، ولم يفكّر في أي تبعات محتملة، فخطيئته الكبرى لم تكن إخراج الوحش إلى العالم إنما كانت التخلي عنه، وهو ما نفعله الآن إذ نتخلى للآلة -بإرادتنا!- عن ذكائنا ثم لا تخجل أن نلومها إذا شوهت ذائقتنا ومسختنا. الوحش نفسه لم يكن شريرًا، لكنه كان مفتقرًا إلى معنى وجوده، وأُسيء استغلاله، فكان من الطبيعي في النهاية أن يتمرّد على صانعه ويحاول تدميره.
وما أخشاه أن تكون هذه نهايتنا نحن أيضًا؛ أن يلتهم الوحش الذي صنعناه إنسانيتنا، لا على مستوى الوظائف فقط، بل على مستوى معنى وجودنا ذاته، وقيمتنا المضافة، وجدوى حركتنا في الدنيا طولًا وعرضًا، بعد أن حوّلنا الإبداع من “رحلة صيد” شاقة وممتعة، إلى “وجبة سريعة” تُطلب بالهاتف. الوفرة قتلت الدهشة، والسرعة وأدت التأمل!
في نهاية رواية ماري شيلي، وبعد أن يقتل الوحش شقيق فرانكنشتاين وزوجته وصديقه، يموت فرانكنشتاين من المرض ومن إنهاكه في مطاردة الوحش؛ يموت الصانع بعد عجزه عن السيطرة على مصنوعه، وإدراكه هول ما صنع.
أمّا الوحش نفسه، فيظهر فوق جثة صانعه، لا ليحتفل، بل ليبكي ويعترف أنّه لم يجد سعادة في القتل، وأنّه كان يبحث عن حب، لا عن دم، وأنّه الآن، بعد موت سبب وجوده، لم يعد لديه مبرر للعيش، ويقول إنّه سيذهب إلى أقصى الشمال، ويبني محرقة، ويحرق نفسه، ويختفي من العالم، ويغيب في الجليد!
ومع أن البرد والجليد نهاية عادلة لكل ما هو خال من الحياة والشعور، فأرجو -من كل قلبي- أن لا يكرر التاريخ نفسه، هذه المرة على الأقل!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *