أصبح الذكاء الاصطناعي ملجأً شائعًا للطلاب والصحفيين والكتاب والباحثين، خاصة في التدقيق اللغوي، لما يقدمه من سرعة وقدرة على تصحيح الأخطاء النحوية والإملائية. غير أن هذا الاعتماد المتزايد يفرض علينا وقفة وعي، ليس رفضًا للتقنية، لكن سعيًا إلى فهم طبيعتها وحدودها.
الذكاء الاصطناعي لا يفهم اللغة كما يفهمها البشر، هو لا يملك وعيًا لغويًا، ولا إدراكًا للسياق الثقافي أو المقاصد البلاغية، وإنما يتعامل مع اللغة بوصفها أنماطًا إحصائية؛ يتعلم من ملايين النصوص، ويرجّح الصيغة الأكثر شيوعًا أو احتمالًا، لا الصيغة الأصدق معنًى أو الأنسب سياقًا، كما أنه يغفل الأخطاء اللغوية الشائعة التي لم يتدرب عليه، لذا قد يُصيب في تصحيح قاعدة نحوية، لكنه يخطئ في تقدير الدلالة، أو يفسد نبرة النص، أو يطمس خصوصية الأسلوب.
وعند التدقيق، يتعامل الذكاء الاصطناعي مع الجملة كوحدة شكلية أكثر منها وحدة فكرية، فيراجع التوافق بين الفعل والفاعل، وصحة الإملاء، وتركيب الجملة، لكنه لا “يفهم” لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة دون غيرها، ولا ما الذي يريد أن يلمّح إليه أو يتجنبه. ولهذا السبب، قد يقترح تصحيحات تبدو سليمة لغويًا، لكنها خاطئة دلاليًا أو أسلوبيًا.
ضوابط وشروط
من هنا، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي يجب أن يخضع لضوابط واضحة، أولها أن يُستخدم بوصفه مساعدًا لا بديلًا، وأن يكون القرار الأخير دائمًا للمدقّق البشري أو الكاتب نفسه، وثانيها عدم قبول التصحيحات آليًا دون مراجعة، خاصة في النصوص الأدبية أو الفكرية أو المتخصصة، وثالثها الانتباه إلى أن اللغة ليست قواعد فقط، بل معنى وسياق ونبرة وهوية.
أما الخطر الأكبر في الاعتماد الكلي عليه حال التدقيق اللغوي، فيكمن في تآكل الحس اللغوي لدى الكاتب، وتحويل اللغة إلى منتج نمطي بلا روح، غير الأخطاء الفادحة في المعنى أو توحيد الأساليب وتفريغ النصوص من فرادتها. إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأخطاء العميقة لا تُكتشف إلا بالفهم، لا بالحساب.
مساحة اسمها الوعي
فالذكاء الاصطناعي أداة قوية ومفيدة في التدقيق اللغوي، لكنه ليس عقلًا لغويًا ولا بديلًا عن الوعي البشري. حسن استخدامه يرفع جودة النص، وسوء الاعتماد عليه قد يفسده، وبين الملجأ والاعتماد الكامل، مساحة واسعة اسمها: الوعي.
في الصورة المرفقة مثلًا، كتب الذكاء الاصطناعي كلمة “كسولة”، مع أن الصَّحيح لغويًّا في العربية “كسول” للمذكر والمؤنث، فنقول: “امرأة كسول” و”رجل كسول”.
فالحذر الحذر في ما نفعل بأنفسنا وفي ما نريد إرساءه من قواعد يحفظ لنا لغتنا وهويتنا وفي الوقت نفسه لا يحرمنا استخدام المنجز التكنولوجي الذي غايته تسهيل مهامنا لا إلغاء بشريتنا.
:اقرأ أيضا